عمر فروخ
48
تاريخ الأدب العربي
أن الاستعارة تقوم على حذف المشبه أو المشبّه به مع حذف أداة التشبيه ووجه الشبه ، فإنها إذا بعدت غمضت واستغلقت ؛ وهذا مخالف لأصول البلاغة . فإذا قلنا فلان صخرة صماء أدركنا حالا أن صخرة قد استعملت هنا مجازا ، لأننا نعلم أن الانسان لا يكون صخرة حقيقة ، بل كالصخرة ، وحينئذ يصبح معنى الجملة أن فلانا جلد صبور في المصائب ، أو أنه قاس القلب . وأما الاستعارة فتكون في الافعال . فإذا نحن قلنا : « طلع البدر » أو « أضاء البدر » أو « خسف البدر » ، فان البدر هنا هو الجرم السماوي المعروف ، لأن الأفعال : طلع ، أضاء ، خسف ، من طبيعة البدر . ولكن إذا قرأنا قول سعيد بن حميد ( ت 250 ه ) : « وعد البدر بالزيارة ليلا » ، فلا يمكن أن نفهم من « البدر » هنا أنه الجرم السماوي ، لأن البدر الذي هو الجرم السماوي ليس من طبيعته أن يعد أو يخلف وعدا ، فنردّ الاستعارة هنا إلى تشبيه ونقول إن الشاعر عنى : « وعدني حبيب يشبه البدر بالزيارة ليلا » . والعرب لم يستحسنوا التجنيس بين أكثر من لفظتين في الجملة الواحدة . فمما يستجاد من ذلك قول أبي تمام : جلا ظلمات الظلم عن وجه أمّة * أضاء لها من كوكب العدل آفله . فقد جانس بين ظلمات وبين الظلم ، ثم طابق بين الظلم وبين العدل . ولكن يكره مثل قول أبي تمام أيضا : فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت * سلام سلمى ومهما أورق السلم . ( سلمت من السلامة والعافية ، والسلام جمع سلمة : الحجر ؛ وسلمى اسم جبل ، والسلم نوع من الشجر ) . الفنون والاغراض إن الأدب ، سواء أكان شعرا أو نثرا ، يعالج موضوعات كثارا . وهذه الموضوعات تصنّف ويسمى المتشابه منها صنوفا « 1 » أو أبوابا « 2 » أو فنونا .
--> ( 1 ) العمدة 2 : 157 . ( 2 ) راجع التقسيم الذي اتبعه أبو تمام في ديوان الحماسة وغير أبي تمام .